ابو البركات
336
الكتاب المعتبر في الحكمة
ضعيفا لأنه يضعف تمويجه ويقل إلى ما يصل الينا كذلك يكون حال الهواء الواصل بتمويج القرع إلى سمعنا في ادراكنا له وتأملنا لمدده وجهته ومبدأ انبعاثه حتى أن لم يبق منه في المسافة أمر ينتهى بنا إلى المبدأ لم نعلم من قدر البعد الا بقدر ما بقي فلا نفرق بين الرعد الواصل الينا من أعالي الجو وبين دوى الرحى الذي هو أقرب منه الينا وإذا كان بقربنا رجلان بين أحدهما والآخر قدر ذراع من البعد ولم نبصرهما بل سمعنا كلامهما عرفنا بسمعنا قدر « 1 » المسافة في قرب أحدهما وبعد الآخر منا ونعلم كما علمنا في البصر ان السامع منا هو المبصر وانه هو النفس التي هي ذات الواحد منا لا غيرها من قوة سامعة أخرى أو آلة منفعلة . فان الاذن أو ما فيه الروح لا يمتد متأديا إلى حيث المسموع كما امتد الشعاع في البصر وكيف وسبيل الروح في البصر مسدود عن نفوذها فيه وليس بمسدود عن نفوذ الشعاع الذي ينفذ فيما شف وصلب مما لا ينفذ فيه الروح التي تنفذ فيما لان ولو كدر فقد اتفق السمع والبصر في المدرك والادراك واختلفا بتعيين الآلة اما في الابصار فبتأدى النور من العين إلى المبصر ولذلك امتنع ان يدرك بالبصر ما هو قريب من الحدقة ملاصق لها . واما في السمع فبتأدى القرع إليها ولذلك صح ان يدرك بالسمع ما قارب الآلة جدا وكل ما يأتي بعد هذا من علم النفس يزيدك به علما . الفصل التاسع في باقي الادراكات الحسية وهي اللمس والذوق والشم قد سبق القول بان الافعال التي يشعر الانسان بأنه فاعلها من الادراكات والتحريكات كلها تصدر عن نفسه التي هي ذاته التي شعر بها وبأنها فعلت وهذا الشعور من المعارف الأولية والنظر لم يناقضه فقد بطل الشك فيه وهذه النفس قد بان مما قيل ويزداد بيانا مما يقال إنها غير البدن واجزائه وغير القوى التي هي اعراض فيه كالحرارة والبرودة اللتين قوامهما به ولا هي من امتزاج هذه
--> ( 1 ) سع - قلة .